الاثنين، 19 مارس 2012

إبراهيم عيسى يكتب: على مقعده وحيدًا رغم الزحام

إبراهيم عيسى يكتب: على مقعده وحيدًا رغم الزحام

رحل عنا رجل عظيم.

ليس هناك مواطن مصرى من سن العاشرة حتى التسعين إلا والبابا شنودة جزء أصيل من وجدانه.

عشنا وكبرنا، حاربنا وسالمنا، اتفقنا واختلفنا، تسامحنا وتطرفنا، خنعنا وثُرنا، كنا جناة أو مجنيًّا علينا، والبابا شنودة معنا فى كل هذا عنوان لكل مناظرات على قهوة أو فى شغل أو فى تليفزيون بين مسلم ومسيحى ولكل علاقة حميمة أو باردة بين مسلم وقبطى، ولكل مساجلة بين مصرى وغربى، ولكل صراع بين معارض للحكم وموالٍ، ولكل فتنة طائفية فى حب بنت مسيحية لمسلم أو مسلمة لمسيحى، وفى خطب ووعظ التوليع والتهدئة، وفى الكلام عن النسيج الواحد وعن عنصرى الأمة والوحدة الوطنية وعن الطائفية وإشعال الفتنة والمخطط الأجنبى، عن مصر المدنية ومصر الدينية، عن المادة الثانية وعن تمثيل الأقباط فى البرلمان، عن الفتاوى عن الجزية وأهل الذمة، وعن المواطنة والسواسية والمساواة..

البابا شنودة شريك حياتنا..

وواحد من صناع تاريخنا وحاضرنا فى العيش المشترك بين المسلمين والأقباط..

وواحد من قليل تمكنوا من وضع حجر أساس فى صياغة مستقبلنا القادم على حصان أو جمل، أو على دبابة، أو على كفوف الراحة.

كان ذكيا كرجل سياسة فى مرحلة خلت فيها مصر من رجال السياسة تقريبا الذين تحولوا إلى موظفين تابعين مأمورين حتى وإن زعموا أنهم معارضون، فكان يخطئ ويصيب كسياسى، لكن هدفه كان واضحا ومستقيما حتى لو كانت وسائله غامضة، هدفه حماية الأقباط من أقليتهم، كان لا يريد للأقباط أن يكونوا أقلية هذا الشعب بل جزء من هذه الأمة، فلا تخصيص لكوتة للأقباط ولا تمييز إيجابيا لهم بتخصيص وظائف ومناصب، فعانى الأقباط فعلا وتحملوا اضطهادا حقيقيا من المجتمع قبل أن يكون من الدولة، وأول المعاناة إنكار الدولة والمجتمع لوجودها، فأخطأ وأخطأت مصر معه حتى إننا الآن -مسلمين وأقباطا- نخشى على أغلبيتنا كما نرتعب على أقليتنا فى ذات الوقت!

كان مستقلا ومعتدا بذاته وبرمزيته وبدوره، رأيه من دماغه ومن رؤيته فى مرحلة كان فيها الكل حتى العمائم والوعاظ والدعاة والمشايخ، يتلقى تعليمات وأوامر ويمشى على عجين مايلخبطوش ويستأذن مباحث أمن الدولة ويتصل بزكريا عزمى متوسلا أو بصفوت الشريف متسولا، فكان البعض يتهمه بأنه دولة داخل دولة لأنه لم يكن أمن دولة، رغم أن استقلاله كان محل نقد من محترمين، ثم كان أيضا محل احترام من منتقدين!

كان عروبيا يكره إسرائيل بعنصريتها وطائفيتها واحتلالها أرضا عربية فى وقت كان فيه الكثيرون يرتدون ملابسهم من «كويز إسرائيل»، ويصدِّرون الغاز إلى محطات كهرباء تل أبيب ودبابات وطائرات جيش الدفاع الإسرائيلى، كان فلسطينيا يهفو إلى القدس، وإن أراد زيارتها كان العالم كله سيفرش تحت نعليه ذهبا ليذهب إليها ويصلى فى بيت لحم، لكنه أبى ورفض إلا أن يكون هذا العربى المسيحى الأعظم الذى لا يغفر ليهوذا أنه باع يسوع فى الناصرة بثمن بخس، وكل خيانة بخسة الثمن ولو كان ثمينا!

كان شاعرا يكتب الشعر ويحفظ الأشعار فى مرحلة غير شاعرية بالمرة نزف فيها دم وتفجر خلالها إرهاب وساد فيها الرثاء والهجاء ردحا لا شعرا، رصاصا لا قصائد!

كان بليغا فى اللغة العربية فى مرحلة بلا بلاغة فى اللغة بل ركاكة ورطانة، فكان يختار تعبيراته الموحية الضاربة باستعارتها الأدبية فى السياسة والمستنِد فى سياستها إلى الأدب، هذا فى توقيت كان فيه كل الساسة ورجال الدولة والحكم والإعلام فى منتهى الرداءة اللغوية يكسرون الفاعل ويرفعون المفعول ويجمعون المثنى ويؤنثون المذكر، فتكون لغتُهم كسياستهم ونحوُهم كقمعهم وصرفُهم كأمنهم!

رحل عنا البابا فى توقيت يزيد الأقباط أسى وحزنا مع ترقبهم وخوفهم من المستقبل المجهول، ويضاعف على مصر إحساسها بأن المرحلة الانتقالية كئيبة وتعِسة وثقيلة، تعانى من انفلاتها السياسى والأمنى والنفسى…

وحين نودِّع البابا شنودة نودِّع مرحلة من عمرنا، لا البابا سيعود.. ولا عمرنا، فندعو الله أن تعود مصر إذن!

الأحد، 26 فبراير 2012

تليفزيونى الشخصى - التحرير

تليفزيونى الشخصى - التحرير

«طائر على الطريق»، «موعد على العشاء»، «الحريف»، «مشوار عمر»، «خرج ولم يعد»، «عودة مواطن»، «زوجة رجل مهم»، ثم «أحلام هند وكاميليا» سنة 1988.

هذه أسماء أفلام محمد خان التى أحببتها، وتأثرت بها، وشكلت مشاعرى.

لكننى اكتشفت فى الظلام وأنا أتابع هند وهى تضع الطفل فوق المرجيحة فى الملاهى وتقول له «يا بختك يا سى ميمى»، وأحمد زكى وهو يلقى بعقب السيجارة من أعلى ويقول «بكرة تروق وتحلى»، وكاميليا وهى تقول «خد حقك يا عثمان»، اكتشفت وتأكدت حقيقة أن محمد خان يصنع أفلامه من أجلى.

ولمَّ لا؟ خان لا يعرف تحديدا من أجل من يصنع أفلامه، وأنا عرفت أنها من أجلى.

أحببت أفلام عاطف الطيب ورأفت الميهى وخيرى بشارة وداوود عبد السيد، لكن اعتقدت أن محمد خان يصنع أفلامه من أجلى.

والآن بعد كل هذه السنوات يعاودنى نفس الشعور، أن شيئا ما يصنع من أجلى.

هذا الشىء هو قناة «أون تى فى».

أتابع برامج فى قنوات أخرى، وأحرص عليها وأقدرها.

وأشاهد أفلاما ومسلسلات فى قنوات أخرى.

ثم أعود إلى «أون تى فى».

أوجه مؤشر القنوات عليها طوال الوقت.

أعرف أن الساعة أصبحت التاسعة عندما أرى يوسف الحسينى على الشاشة أو زميلته إيمان. كنت اعتدت لسنوات مضت أن أبدأ يومى بدينا عبد الرحمن على «دريم»، كنت اعتبرها بداية مضمونة لا أحب المغامرات الصباحية التى يمكن أن تلقى بظلال حرق الدم على باقى النهار. مع دينا كنت أعرف مقدما أن أثره سيكون إيجابيا مهما كانت نوعية الأخبار أو الضيوف بفضل وجودها هى.

حرمنى رجال الأعمال والمجلس العسكرى معا من دينا.

وعوضتنى «أون تى فى» بيوسف وإيمان.

احتجت وقتا قصيرا كى اعتاد على الشكل الجديد. تلقائية يوسف ومشاغابته وهدوء إيمان ورقتها.

أتابع ريم ماجد فى الإعادة إن لم أتمكن من متابعتها ليلا، ريم بالنسبة إلىِّ هى رائحة الثورة ونسيم الميدان. تعبيرات عيونها المندهشة تقول ما يحاول أن ينطق به لسانى فى نفس اللحظة، ألمح حيرتها ومقاومتها لرياح اليأس التى تهب عليها بابتسامة حزينة غير مكتملة تمس قلبى. أجد نفسى أريد أن أصرخ «والنبى تشدى حيلك يا ريم. سايق عليكى النبى يا شيخة لتجمدى».

أنهى يومى بيسرى فودة، وأتمنى أن يتخلى عن بخله الشديد ويعمل باقى أيام الأسبوع، لأطمئن أن كل أيامى ستنتهى دون حرقة دم كما تبدأ.

أتابع أحيانا جابر القرموطى، وحازم شريف، وشريف عبد الرحمن.. آه والله أنا ساعات باتفرج على برنامج اسمه «البورصة اليوم».

ثم آخر أصدقائى عمرو خفاجى، الذى أتابع برنامجه مساء السبت على مرتين. الجزء الأخير منه مساء السبت، والجزء الأول صباح الجمعة فى الإعادة.

الحلقة الأخيرة التى قدمها عمرو خفاجى كانت عن المعونات الأمريكية، شاهدتها مرتين، ولا أمانع أبدا إن سمحت لى الظروف أن أشاهدها مرة أخرى. الحلقة يمكن باختصار أن أصفها بأنها ما أحتاجه أنا شخصيا من التليفزيون.

ألم أقل لكم إن قناة «أون تى فى» صُنعت من أجلى.

نشرات الأخبار المستمرة، والشريط الذى يتابع كل الأحداث طوال اليوم، والنقل الحى لكثير من الأحداث المهمة.

أغنيات سندريللا وعلى الحجار التى تتخلل الفواصل أغنية «اثبت مكانك»، وكليبات الشهداء.

.. والرائع الذى يهدينى الضحكات فى زمن البكاء والصراخ وانقباض القلوب، الساخر باسم يوسف.

شفتوا الحلقة الأخيرة واللى قبلها؟.. طيب شُفتوا الأغنية؟!

السبت، 4 فبراير 2012

ارحل - التحرير

ارحل - التحرير

ارحل لقد أصبح الموت مجانيا، جملة وقطاعى، وفقد كثيرون الشعور بصدمة هذه المصائب، تبلد إحساس كثيرين فى هذا البلد، ولم يعد منظر الأمهات الثكلى يثير فيهم أى تعاطف بعد أن أصبح المشهد مألوفا.

ارحل..

أحلم أن أكتب جملة مفيدة وأن لا أعيش بقية عمرى كاتبا معارضا ينتقد ويهاجم ويرثى ويلطم على وجهه بدلا من أن يكتب ما يمكن اعتباره حجرا فى بناء البيت الذى نحلم به.

ارحل..

وقعت الناس فى بعضها البعض، وأصبح بين الناس وبعضها ألف ثأر، زرعتم شرخا يكبر بمرور الوقت منذ الاستفتاء وحتى ندائكم الأخير للشعب أن يواجه نفسه بنفسه، ويأكل بعضه حتى تستقر الأمور، ما بين نعم ولا، ومسلم وقبطى، وتحرير وعباسية، ومحرضين ومواطنين شرفاء، ومطبلاتية ومندسين، وثوار وفلول يتحول الوطن إلى جزر صغيرة منعزلة والفضل لكم.

ارحل..

الموظفون يحيكون كفن الثورة، يتعاملون مع إرادة الشعب باللائحة والقوانين، تختبئون خلف سيادة القانون فى الوقت الذى تريدونه وتدهسونه إذا وقف عائقا فى طريقكم، تحاكمون المفسدين والقتلة كمتهمين فى جريمة شيكات، وتحاكمون الثوار كخونة وجواسيس، وبمرور الوقت تساهمون فى تثبيت أقدام من خلخلناهم، آلاف الموظفين فى خدمتكم، وبفضلهم وبالقانون قد يعود مبارك رئيسا للبلد فى أقرب فرصة.

ارحل..

الناس تذهب إلى عملها (إن كانت ما زالت تعمل) وهى خائفة على أهل بيتها، وأصبحت لا تمتلك حتى ثمن القفز فى قارب يهربون به إلى بلد أجنبى، مرضت الناس نفسيا وعصبيا، أصبح كلامنا كله للخلف ولا كلمة واحدة عن المستقبل تستطيع أن تمسك بها فى حواراتنا اليومية، من لم يمت شهيد الثورة مات شهيد الأنبوبة أو جركن البنزين أو قاطع الطريق الذى ضج من فقره وجوعه، العمل الأهلى أصبح محصورا فى جمع التبرعات لإطعام الناس ولا حملات التبرع لضحايا الحرب الأهلية فى الصومال.

ارحل..

أجمل من فينا يضيعون من بيننا، نذهب إلى المشرحة أكثر مما نذهب إلى زيارة أصدقائنا فى بيوتهم، لم يعد لدينا دموع لكل هذه القنابل، أصبحنا ندور حول الحواجز الخرسانية والأسلاك الشائكة حتى نعبر الطريق باتجاه أعمالنا، صوت أسراب سيارات الإسعاف أصبح مألوفا كنداء باعة البطاطا، ارحل صور الأطفال أصبحت مكللة بشريط الحداد القطيفة الأسود.

ارحل..

أخرجتوا أسوأ ما فينا، علَّمتوا الناس كيف يخونون وكيف يستسهلون الاتهامات وكيف يأكلون فطرتهم بأنفسهم حتى لا يتعاطفوا مع شهيد أو مصاب أو مسحول، تفاديا لأى تعاطف مع الثورة، اعوجت ألسنتنا من الحديث الفارغ فى السياسة، وضعفت أبصارنا من متابعة الشاشات المقسمة إلى أربعة نوافذ كل واحدة تنقل كارثة فى الوقت نفسه، ولم يعد هناك طعم لشىء.

ارحل..

الداخلية مشتتة ومنقسمة بسببكم، فالشارع لا يتحمل صنفين من الضباط فى وقت واحد، وجودكم يحسبه كثيرون منهم إهانة لهم وعبئا نفسيا مربكا، وكثيرون فاسدون من بينهم ينصبون لكم أفخاخا لا تصيبكم بسوء، ولكن تحرق قلوبنا على الأحياء والموتى.

ارحل..

لقد بدأ جيل المنافقين الجدد يتشكل، والتف حول وجودكم جهلاء ومدعون كما يلتف اللبلاب حول شجرة عجوز، يحاربون الفتنة وهم الفتنة، يهللون خوفا على البلد وهم أخطر ما فيها، ما بين رجل دين مدع ومحلل رياضى منافق وفلولى نصف تائب وأحمق لا شفاء له، أصبحت الوجوه المتراصة خلفكم فى الصورة عار على الميرى الذى ترتدونه.

ارحل..

فقد أصبح الميرى نفسه وتبعاته من مدرعات ودبابات أشياء مثيرة للامتعاض والريبة بعد سنوات كانت مثيرة للفخر والشعور بالجلال، بددتوا علاقتنا بأوضح ما كنا نمتلكه وحرمتونا من أن نودع إخوتنا الجنود كما استقبلناهم فوق أعناقنا فى الميدان.

ارحل..

لقد هج السائحون، ابيّض شعر أبناء جيلى، وقادة البلد ينافسون تامر حسنى فى التصابى، ولن أقول لك إنك كنت سببا فى اعتزال البرادعى، فهذا أمر ربما لا يهم كثيرين، لكنك كنت سببا فى اعتزال أبو تريكة ويا له من عار.

ارحل..

كنا نصدقكم عندما قلتم «الله المستعان».. وأتى دورنا لكى تسمعوها منا ولكن كما ينبغى، نقولها لكم كما قالها سيدنا يعقوب لإخوة سيدنا يوسف عندما أتوا له بقميصه وعليه دم.. «والله المستعان على ما تصفون».

الأحد، 15 يناير 2012

أبيكوجيل - التحرير


كان الماء الدافئ أقوى من قدرته على الخروج من أسفل الدش.

تَأمّل أصابعه التى تجعدت بفعل الماء، لمح فى واحدة منها بقايا الحبر الفسفورى، كان متحمسا للانتخابات بما يكفى لأن يضع إصبعه إلى نهايتها بقوة بالغة فى الزجاجة لدرجة أن علق الحبر بين أظفره ولحم إصبعه.. لأسابيع طويلة كان يراقبه وهو ينحسر ببطء دون أن يختفى.

هذا ما بقى بعد عام.. قال لنفسه.

تغيرت قائمة الأصدقاء، كان الحذف متبادَلا وكانت الإضافة تتم تحت وطأة القصف، يرتاح لأنصار الثورة بالفطرة ويكره القادرين على استخدام لغة العقل بشكل مبتذَل يجعل الكلام ضد الثورة شكله منطقى لكنه فى حد ذاته مغالطة وطنية وإنسانية كبيرة، كانت الثورة فرصة لإعادة تقييم الأصدقاء ذوى العقود المؤقتة فتخلص ممن تخلص منهم وقام بتثبيت الباقين.

اكتشف فى نفسه قدرات جديدة مثل أن يقفز أسوار الميدان المعدنية بوثبة واحدة أكثر رشاقة مما يبدو هو شخصيا، اكتشف القدرة على التخلى عن النوم والطعام لفترات لم يجربها من قبل، ما بين ليالى اللجنة الشعبية وإسعاف المصابين فى الميدان والانشغال بالأوضاع المتوترة لدرجة تُنسِيه قَرص الجوع. بعد عام من الثورة فقد عدة كيلوجرامات من وزنه.. تأمل تشققات جلد البطن فتأكد من صحة شعوره، أما عيناه اللتان ذبلت شرفتهما واغمقّ لونهما فقد أكدتا له أنه بعد عام من الثورة لا يزال لا يعرف لنفسه مواعيد ثابتة للنوم أو الاستيقاظ.

الشىء الوحيد الذى يتفق فيه مع النغمة العاقلة زيادة عن اللزوم هو افتقاد الاستقرار، خلال عام اختلطت بداخله مشاعر الاكتئاب بمشاعر التفاؤل حتى صارا فى لحظة شيئا واحدا.

بعد عام يمتلك الآن جهاز بلاك بيرى تآكلت الحروف فوق لوحة مفاتيحه من فرط ما بثّ عبر الجهاز أخبارا مفرحة أو نداءات استغاثة، تنويهات أو تحذيرات، سخرية فاضحة أو غضبا فاحشا، ردودا قاسية أو أسئلة صارمة، لديه الآن آلاف الفولوورز على «تويتر»، لا يستقر على نظرة واحدة إليهم ما بين رؤيتهم كدليل على محبة ما والقلق منهم باعتبارهم فخا منصوبا طوال الوقت.

بعد عام من الثورة تكدس فى أحد أركان منزله أكوام من الصحف الصادرة فى أيام تاريخية، يحتفظ بها كنسخ أصلية للذكرى بعد أن أنفق فى مراهقته أموالا كثيرة فى شراء نسخ من الصحف الصادرة فى لحظات قديمة «سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل» أو «عبرنا القنال»، يحتفظ بفوارغ طلقات الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع التى كان يجمعها فى أعقاب المواجهات، فى أحد أركان الصالة علق فى الزاوية درعا بلاستيكية مكتوبا عليها «الأمن المركزى» كانت من غنائم جمعة الغضب، أصبح لديه تليفزيون فى غرفته بعيدا عن تليفزيون العائلة حتى يستمتع بالتعليق كيفما يحلو له دون أن تؤذى تعليقاته مشاعر من يشاركونه العيش فى الشقة نفسها دون أن يكون لهم ذنب فى ذلك، تضخم رف المؤلَّفات الدينية فى مكتبته بعد أن اقترب الإسلاميون من السيطرة على الحكم.. يراها ميزة أن جعله قدومهم يستذكر دينه من أول وجديد حتى يجيد الرد على من لا يتكلم إلا بـ«قال الله وقال الرسول».. لديه ثقة كبيرة أن معظم ما يؤمن به شخصيا قاله الله وقاله الرسول.. هو ليست لديه مشكلة مع الإسلاميين، ولكن إذا كنت ستعيش مع من لا يتحدث إلا الصينية فقد وجب عليك أن تتعلمها.. فما بالك بدينك؟

إلى جوار السرير رف أدوية به دهان لا يغيب أبدا يعالج به كدمة مزمنة فى ضلوعه تَلقّاها فى الميدان بينما يحاول إنقاذ شاب أجنبى ساقته سذاجته وحظه العثر لأن يكون فى الميدان شاهرا كاميرته الشخصية فى عز اشتعال الأحداث، كان يريد أن يسحبه بعيدا ليسلمه للجيش قبل أن يفتك به الغاضبون فيؤكدوا للجالسين فى بيوتهم يمصمصون الشفايف أن الميدان يعجّ بالبلطجية. إلى جوار الدهان يوجد بقايا لثلاثة أدوية مختلفة من الكحة وتوسيع الشعب الهوائية التى أتلفها الغاز، أسفل الفراش يوجد ثلاث زجاجات «أبيكوجيل» بقفلتها وبخاخة مجهَّزة للاستخدام، بمرور الوقت ترسب الأبيكوجيل فى قاعها وبدا السائل الذى يملؤها كالصوبيا المغشوشة.

بعد عام يتأمل ما خلّفته الثورة فى حياته وهو يقف تحت سيل الماء المنهمر.. أصدقاءً جددا وصحفا وبقايا أدوية وفوارغ خرطوش وكوفيه هدية من أحد شباب الميدان ذكرى ليالى البرد والونس، وآثار حبر فسفورى ومرشحا لم ينجح، إصابة خفيفة وغضبا مستترا وأحلاما عصية على التفسير وتسامُحا مؤجلا وترقبا مشوبا بالتفهم، هتافات تعيد نفسها طول الوقت فى أذنيه تحت الدش، وفرحة ما اختلطت ببخار الماء.

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

إبراهيم عيسى يكتب:جيشنا الذى ندافع عنه!

إبراهيم عيسى يكتب:جيشنا الذى ندافع عنه!

حين هتف مئات الآلاف من ثوار التحرير لما رأوا الدبابات تظهر حول الميدان يوم 28 يناير هتافهم الشهير الأثير «الجيش والشعب إيد واحدة» كانوا يهتفون لجيش أمير الشهداء إبراهيم الرفاعى، كانوا يهتفون للجيش الذى ضحّى واستشهد رجاله ونزفوا الدم الطاهر فى معارك الكرامة واسترداد الأرض، كانوا يهتفون لجيش عبد المنعم رياض وأحمد إسماعيل والجمسى والشاذلى وعزيز غالى ومحمد على فهمى وعبد العاطى صائد الدبابات، وللجنود الذين عبروا قناة السويس يوم 6 أكتوبر سباحةً وعومًا بأنفسهم وملابسهم وأسلحتهم لمّا كانت الطائرات الإسرائيلية تضرب زوارقهم، كانوا يهتفون للضابط صاحب اختراع تفتيت الساتر الترابى بخراطيم المياه وللعسكرى الذى كتب بدمه جملة «الله أكبر» على العَلَم قبل أن يرفعه فوق خط بارليف.

فلماذا يصمم المجلس العسكرى على أن يجعل الثوار يهتفون ضد جيش حمزة البسيونى؟

لماذا يريده الشعب جيش إبراهيم الرفاعى الذى انتصر فى أكتوبر، بينما يصر المجلس العسكرى على أن يقدم لنا جيش حمزة البسيونى الذى انهزم فى نكسة يونيو؟

معظم الشباب اليوم إن لم يكن كلهم لا يعرف اللواء حمزة البسيونى، وهذا لا يعنى إلا أن الجيش المصرى العظيم نجح فى أن يغسل ثوبه من أدران علقت به فطهّر نفسه تطهيرا وأعاد مجده واسترد حب الشعب عشقا، لكن تصرفات المجلس العسكرى وفشله وقمعه تقود الناس إلى أن يتذكروا حمزة البسيونى وجيشه؟

لكن من هو حمزة البسيونى؟

هو اللواء حمزة البسيونى الذى كان قائدا للسجن الحربى منذ منتصف الخمسينيات وهو الذى كان يقبض ويعتقل ويسجن ويعذّب المعتقلين السياسيين وقتها من الإخوان المسلمين وحتى الشيوعيين والكتّاب والصحفيين، وتمتلئ مذكرات هؤلاء السجناء بأبشع الوقائع عن هذا اللواء المتوحش الذى صار اسمه رمزا للقمع والقهر وممارسة أبشع وأحط طرق العنف والتعذيب للسياسيين، ورغم أن كل هذه الجرائم لم تكن فى الشوارع ساعتها ولا أمام الكاميرات أو على مواقع الإنترنت، فإن مصر كلها كانت تعرف هذه السمعة الحقيرة لهذا اللواء.

كان حمزة البسيونى، كما يحكى مصطفى عبيد فى دراسته «العسكرى الأسود»، لواء فى بداية الستينيات قبل أن يحصل على رتبة الفريق قبل حرب 1967. ويحكى المساجين السياسيون أنه خطب فى السجن الحربى قبل النكسة بأيام وقال إنه هو القانون والدستور، وأنه هو الآمر الناهى، وأنه يحيى ويميت. وبعد أيام من النكسة صدرت قرارات تصفية رجال عبد الحكيم عامر فى جيش مصر، وصدر قرار بإحالة البسيونى إلى المعاش ثم القبض عليه والتحقيق معه فى ما هو منسوب إليه من انحرافات. ودخل السجن بالفعل معتقلا، ويحكى الشاعر الأروع أحمد فؤاد نجم أنه قابل حمزة البسيونى فى السجن، وكان كثير من المساجين يسبون البسيونى ويضربونه وهو يتعامل معهم كالفأر. ويحكى شاعرنا الكبير أحمد فؤاد نجم «أنه ضربه بنفسه وسبه فى دورة مياه السجن! ويقول إنه رآه يتوضأ للصلاة فقال له: انت فاكر ربنا هيسيبك تدخل الجنة؟».

ظل الفريق حمزة البسيونى، طبقا لدراسة مصطفى عبيد، غائبا عن الإعلام والأضواء بعد خروجه من السجن، وتناساه الناس إلا ضحاياه الذين أُصيب بعضهم بعُقد نفسية وأُصيب البعض الآخر بعاهات جسدية وأصر البعض على طلب القصاص منه، بينما قال كثيرون إنهم سامحوه.

ويحكى المحامى البارز ثروت الخرباوى، نقلا عن خاله المستشار رئيس محكمة الاستئناف السابق الذى عاين جثة حمزة البسيونى يوم راح ضحية حادثة سيارة عام 1971 «دلت المعاينة وشهادة الشهود على أن سائق سيارة حمزة البسيونى كان يقود سيارته بسرعة غريبة وكانت أمامه سيارة نقل مُحمّلة بأسياخ الحديد التى تتدلى من مؤخرة السيارة ودون أن ينتبه استمر فى سرعته حتى اصطدم بالسيارة النقل وحينها اخترقت أسياخ الحديد رأس حمزة البسيونى ومزقت رقبته».

لماذا إذن يشدنا جرًّا المجلس العسكرى إلى تحويل أسماء من جنرالاته يضربون ويسحلون الشباب ويأمرون جنودهم بالسحل إلى أمثال حمزة البسيونى؟ لماذا يصنع غلا وحقدا وألما بين شباب الثورة والجيش؟ لماذا تتلوث سمعة الشرطة العسكرية لتصبح مباحث أمن دولة مبارك وحبيبه العادلى؟ ربما يغُر المجلس العسكرى رضا بعض المصريين القلقين أو الكارهين للثورة عنه، لكنهم أنفسهم وأكثر منهم ملايين كانوا راضين عن مبارك ومستسلمين له فلم ينفعوه ولن ينفعوا المجلس العسكرى (واللى خده «مصطفى محمود» تاخده «العباسية»)، ويكفى أن شباب مصر خاصموا المجلس وعادوه فلا تجعلوهم يخاصمون الجيش فهذه والله ضربة معول فى قلب مصر ومستقبلها، فهذا الجيش ليس ملكا لطنطاوى وعنان بل هو جيش مصر وكل مواطن فيها، ويقطع نياط القلب أن العالم كله الآن ينتقده ويهاجم ويدين تصرفاته (فضلا عن فشله السياسى المريع!)، جيشنا الذى يدافع عنا هو الذى ندافع عنه، ولم يعد ممكنا أبدا الاستمرار فى تحويل جيش إبراهيم الرفاعى إلى جيش حمزة البسيونى!

على الجيش المصرى أن يعود فورا إلى ثكناته حتى يعود إلى قلب شعبه!