كان الماء الدافئ أقوى من قدرته على الخروج من أسفل الدش.
تَأمّل أصابعه التى تجعدت بفعل الماء، لمح فى واحدة منها بقايا الحبر الفسفورى، كان متحمسا للانتخابات بما يكفى لأن يضع إصبعه إلى نهايتها بقوة بالغة فى الزجاجة لدرجة أن علق الحبر بين أظفره ولحم إصبعه.. لأسابيع طويلة كان يراقبه وهو ينحسر ببطء دون أن يختفى.
هذا ما بقى بعد عام.. قال لنفسه.
تغيرت قائمة الأصدقاء، كان الحذف متبادَلا وكانت الإضافة تتم تحت وطأة القصف، يرتاح لأنصار الثورة بالفطرة ويكره القادرين على استخدام لغة العقل بشكل مبتذَل يجعل الكلام ضد الثورة شكله منطقى لكنه فى حد ذاته مغالطة وطنية وإنسانية كبيرة، كانت الثورة فرصة لإعادة تقييم الأصدقاء ذوى العقود المؤقتة فتخلص ممن تخلص منهم وقام بتثبيت الباقين.
اكتشف فى نفسه قدرات جديدة مثل أن يقفز أسوار الميدان المعدنية بوثبة واحدة أكثر رشاقة مما يبدو هو شخصيا، اكتشف القدرة على التخلى عن النوم والطعام لفترات لم يجربها من قبل، ما بين ليالى اللجنة الشعبية وإسعاف المصابين فى الميدان والانشغال بالأوضاع المتوترة لدرجة تُنسِيه قَرص الجوع. بعد عام من الثورة فقد عدة كيلوجرامات من وزنه.. تأمل تشققات جلد البطن فتأكد من صحة شعوره، أما عيناه اللتان ذبلت شرفتهما واغمقّ لونهما فقد أكدتا له أنه بعد عام من الثورة لا يزال لا يعرف لنفسه مواعيد ثابتة للنوم أو الاستيقاظ.
الشىء الوحيد الذى يتفق فيه مع النغمة العاقلة زيادة عن اللزوم هو افتقاد الاستقرار، خلال عام اختلطت بداخله مشاعر الاكتئاب بمشاعر التفاؤل حتى صارا فى لحظة شيئا واحدا.
بعد عام يمتلك الآن جهاز بلاك بيرى تآكلت الحروف فوق لوحة مفاتيحه من فرط ما بثّ عبر الجهاز أخبارا مفرحة أو نداءات استغاثة، تنويهات أو تحذيرات، سخرية فاضحة أو غضبا فاحشا، ردودا قاسية أو أسئلة صارمة، لديه الآن آلاف الفولوورز على «تويتر»، لا يستقر على نظرة واحدة إليهم ما بين رؤيتهم كدليل على محبة ما والقلق منهم باعتبارهم فخا منصوبا طوال الوقت.
بعد عام من الثورة تكدس فى أحد أركان منزله أكوام من الصحف الصادرة فى أيام تاريخية، يحتفظ بها كنسخ أصلية للذكرى بعد أن أنفق فى مراهقته أموالا كثيرة فى شراء نسخ من الصحف الصادرة فى لحظات قديمة «سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل» أو «عبرنا القنال»، يحتفظ بفوارغ طلقات الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع التى كان يجمعها فى أعقاب المواجهات، فى أحد أركان الصالة علق فى الزاوية درعا بلاستيكية مكتوبا عليها «الأمن المركزى» كانت من غنائم جمعة الغضب، أصبح لديه تليفزيون فى غرفته بعيدا عن تليفزيون العائلة حتى يستمتع بالتعليق كيفما يحلو له دون أن تؤذى تعليقاته مشاعر من يشاركونه العيش فى الشقة نفسها دون أن يكون لهم ذنب فى ذلك، تضخم رف المؤلَّفات الدينية فى مكتبته بعد أن اقترب الإسلاميون من السيطرة على الحكم.. يراها ميزة أن جعله قدومهم يستذكر دينه من أول وجديد حتى يجيد الرد على من لا يتكلم إلا بـ«قال الله وقال الرسول».. لديه ثقة كبيرة أن معظم ما يؤمن به شخصيا قاله الله وقاله الرسول.. هو ليست لديه مشكلة مع الإسلاميين، ولكن إذا كنت ستعيش مع من لا يتحدث إلا الصينية فقد وجب عليك أن تتعلمها.. فما بالك بدينك؟
إلى جوار السرير رف أدوية به دهان لا يغيب أبدا يعالج به كدمة مزمنة فى ضلوعه تَلقّاها فى الميدان بينما يحاول إنقاذ شاب أجنبى ساقته سذاجته وحظه العثر لأن يكون فى الميدان شاهرا كاميرته الشخصية فى عز اشتعال الأحداث، كان يريد أن يسحبه بعيدا ليسلمه للجيش قبل أن يفتك به الغاضبون فيؤكدوا للجالسين فى بيوتهم يمصمصون الشفايف أن الميدان يعجّ بالبلطجية. إلى جوار الدهان يوجد بقايا لثلاثة أدوية مختلفة من الكحة وتوسيع الشعب الهوائية التى أتلفها الغاز، أسفل الفراش يوجد ثلاث زجاجات «أبيكوجيل» بقفلتها وبخاخة مجهَّزة للاستخدام، بمرور الوقت ترسب الأبيكوجيل فى قاعها وبدا السائل الذى يملؤها كالصوبيا المغشوشة.
بعد عام يتأمل ما خلّفته الثورة فى حياته وهو يقف تحت سيل الماء المنهمر.. أصدقاءً جددا وصحفا وبقايا أدوية وفوارغ خرطوش وكوفيه هدية من أحد شباب الميدان ذكرى ليالى البرد والونس، وآثار حبر فسفورى ومرشحا لم ينجح، إصابة خفيفة وغضبا مستترا وأحلاما عصية على التفسير وتسامُحا مؤجلا وترقبا مشوبا بالتفهم، هتافات تعيد نفسها طول الوقت فى أذنيه تحت الدش، وفرحة ما اختلطت ببخار الماء.