الأحد، 26 فبراير 2012

تليفزيونى الشخصى - التحرير

تليفزيونى الشخصى - التحرير

«طائر على الطريق»، «موعد على العشاء»، «الحريف»، «مشوار عمر»، «خرج ولم يعد»، «عودة مواطن»، «زوجة رجل مهم»، ثم «أحلام هند وكاميليا» سنة 1988.

هذه أسماء أفلام محمد خان التى أحببتها، وتأثرت بها، وشكلت مشاعرى.

لكننى اكتشفت فى الظلام وأنا أتابع هند وهى تضع الطفل فوق المرجيحة فى الملاهى وتقول له «يا بختك يا سى ميمى»، وأحمد زكى وهو يلقى بعقب السيجارة من أعلى ويقول «بكرة تروق وتحلى»، وكاميليا وهى تقول «خد حقك يا عثمان»، اكتشفت وتأكدت حقيقة أن محمد خان يصنع أفلامه من أجلى.

ولمَّ لا؟ خان لا يعرف تحديدا من أجل من يصنع أفلامه، وأنا عرفت أنها من أجلى.

أحببت أفلام عاطف الطيب ورأفت الميهى وخيرى بشارة وداوود عبد السيد، لكن اعتقدت أن محمد خان يصنع أفلامه من أجلى.

والآن بعد كل هذه السنوات يعاودنى نفس الشعور، أن شيئا ما يصنع من أجلى.

هذا الشىء هو قناة «أون تى فى».

أتابع برامج فى قنوات أخرى، وأحرص عليها وأقدرها.

وأشاهد أفلاما ومسلسلات فى قنوات أخرى.

ثم أعود إلى «أون تى فى».

أوجه مؤشر القنوات عليها طوال الوقت.

أعرف أن الساعة أصبحت التاسعة عندما أرى يوسف الحسينى على الشاشة أو زميلته إيمان. كنت اعتدت لسنوات مضت أن أبدأ يومى بدينا عبد الرحمن على «دريم»، كنت اعتبرها بداية مضمونة لا أحب المغامرات الصباحية التى يمكن أن تلقى بظلال حرق الدم على باقى النهار. مع دينا كنت أعرف مقدما أن أثره سيكون إيجابيا مهما كانت نوعية الأخبار أو الضيوف بفضل وجودها هى.

حرمنى رجال الأعمال والمجلس العسكرى معا من دينا.

وعوضتنى «أون تى فى» بيوسف وإيمان.

احتجت وقتا قصيرا كى اعتاد على الشكل الجديد. تلقائية يوسف ومشاغابته وهدوء إيمان ورقتها.

أتابع ريم ماجد فى الإعادة إن لم أتمكن من متابعتها ليلا، ريم بالنسبة إلىِّ هى رائحة الثورة ونسيم الميدان. تعبيرات عيونها المندهشة تقول ما يحاول أن ينطق به لسانى فى نفس اللحظة، ألمح حيرتها ومقاومتها لرياح اليأس التى تهب عليها بابتسامة حزينة غير مكتملة تمس قلبى. أجد نفسى أريد أن أصرخ «والنبى تشدى حيلك يا ريم. سايق عليكى النبى يا شيخة لتجمدى».

أنهى يومى بيسرى فودة، وأتمنى أن يتخلى عن بخله الشديد ويعمل باقى أيام الأسبوع، لأطمئن أن كل أيامى ستنتهى دون حرقة دم كما تبدأ.

أتابع أحيانا جابر القرموطى، وحازم شريف، وشريف عبد الرحمن.. آه والله أنا ساعات باتفرج على برنامج اسمه «البورصة اليوم».

ثم آخر أصدقائى عمرو خفاجى، الذى أتابع برنامجه مساء السبت على مرتين. الجزء الأخير منه مساء السبت، والجزء الأول صباح الجمعة فى الإعادة.

الحلقة الأخيرة التى قدمها عمرو خفاجى كانت عن المعونات الأمريكية، شاهدتها مرتين، ولا أمانع أبدا إن سمحت لى الظروف أن أشاهدها مرة أخرى. الحلقة يمكن باختصار أن أصفها بأنها ما أحتاجه أنا شخصيا من التليفزيون.

ألم أقل لكم إن قناة «أون تى فى» صُنعت من أجلى.

نشرات الأخبار المستمرة، والشريط الذى يتابع كل الأحداث طوال اليوم، والنقل الحى لكثير من الأحداث المهمة.

أغنيات سندريللا وعلى الحجار التى تتخلل الفواصل أغنية «اثبت مكانك»، وكليبات الشهداء.

.. والرائع الذى يهدينى الضحكات فى زمن البكاء والصراخ وانقباض القلوب، الساخر باسم يوسف.

شفتوا الحلقة الأخيرة واللى قبلها؟.. طيب شُفتوا الأغنية؟!

السبت، 4 فبراير 2012

ارحل - التحرير

ارحل - التحرير

ارحل لقد أصبح الموت مجانيا، جملة وقطاعى، وفقد كثيرون الشعور بصدمة هذه المصائب، تبلد إحساس كثيرين فى هذا البلد، ولم يعد منظر الأمهات الثكلى يثير فيهم أى تعاطف بعد أن أصبح المشهد مألوفا.

ارحل..

أحلم أن أكتب جملة مفيدة وأن لا أعيش بقية عمرى كاتبا معارضا ينتقد ويهاجم ويرثى ويلطم على وجهه بدلا من أن يكتب ما يمكن اعتباره حجرا فى بناء البيت الذى نحلم به.

ارحل..

وقعت الناس فى بعضها البعض، وأصبح بين الناس وبعضها ألف ثأر، زرعتم شرخا يكبر بمرور الوقت منذ الاستفتاء وحتى ندائكم الأخير للشعب أن يواجه نفسه بنفسه، ويأكل بعضه حتى تستقر الأمور، ما بين نعم ولا، ومسلم وقبطى، وتحرير وعباسية، ومحرضين ومواطنين شرفاء، ومطبلاتية ومندسين، وثوار وفلول يتحول الوطن إلى جزر صغيرة منعزلة والفضل لكم.

ارحل..

الموظفون يحيكون كفن الثورة، يتعاملون مع إرادة الشعب باللائحة والقوانين، تختبئون خلف سيادة القانون فى الوقت الذى تريدونه وتدهسونه إذا وقف عائقا فى طريقكم، تحاكمون المفسدين والقتلة كمتهمين فى جريمة شيكات، وتحاكمون الثوار كخونة وجواسيس، وبمرور الوقت تساهمون فى تثبيت أقدام من خلخلناهم، آلاف الموظفين فى خدمتكم، وبفضلهم وبالقانون قد يعود مبارك رئيسا للبلد فى أقرب فرصة.

ارحل..

الناس تذهب إلى عملها (إن كانت ما زالت تعمل) وهى خائفة على أهل بيتها، وأصبحت لا تمتلك حتى ثمن القفز فى قارب يهربون به إلى بلد أجنبى، مرضت الناس نفسيا وعصبيا، أصبح كلامنا كله للخلف ولا كلمة واحدة عن المستقبل تستطيع أن تمسك بها فى حواراتنا اليومية، من لم يمت شهيد الثورة مات شهيد الأنبوبة أو جركن البنزين أو قاطع الطريق الذى ضج من فقره وجوعه، العمل الأهلى أصبح محصورا فى جمع التبرعات لإطعام الناس ولا حملات التبرع لضحايا الحرب الأهلية فى الصومال.

ارحل..

أجمل من فينا يضيعون من بيننا، نذهب إلى المشرحة أكثر مما نذهب إلى زيارة أصدقائنا فى بيوتهم، لم يعد لدينا دموع لكل هذه القنابل، أصبحنا ندور حول الحواجز الخرسانية والأسلاك الشائكة حتى نعبر الطريق باتجاه أعمالنا، صوت أسراب سيارات الإسعاف أصبح مألوفا كنداء باعة البطاطا، ارحل صور الأطفال أصبحت مكللة بشريط الحداد القطيفة الأسود.

ارحل..

أخرجتوا أسوأ ما فينا، علَّمتوا الناس كيف يخونون وكيف يستسهلون الاتهامات وكيف يأكلون فطرتهم بأنفسهم حتى لا يتعاطفوا مع شهيد أو مصاب أو مسحول، تفاديا لأى تعاطف مع الثورة، اعوجت ألسنتنا من الحديث الفارغ فى السياسة، وضعفت أبصارنا من متابعة الشاشات المقسمة إلى أربعة نوافذ كل واحدة تنقل كارثة فى الوقت نفسه، ولم يعد هناك طعم لشىء.

ارحل..

الداخلية مشتتة ومنقسمة بسببكم، فالشارع لا يتحمل صنفين من الضباط فى وقت واحد، وجودكم يحسبه كثيرون منهم إهانة لهم وعبئا نفسيا مربكا، وكثيرون فاسدون من بينهم ينصبون لكم أفخاخا لا تصيبكم بسوء، ولكن تحرق قلوبنا على الأحياء والموتى.

ارحل..

لقد بدأ جيل المنافقين الجدد يتشكل، والتف حول وجودكم جهلاء ومدعون كما يلتف اللبلاب حول شجرة عجوز، يحاربون الفتنة وهم الفتنة، يهللون خوفا على البلد وهم أخطر ما فيها، ما بين رجل دين مدع ومحلل رياضى منافق وفلولى نصف تائب وأحمق لا شفاء له، أصبحت الوجوه المتراصة خلفكم فى الصورة عار على الميرى الذى ترتدونه.

ارحل..

فقد أصبح الميرى نفسه وتبعاته من مدرعات ودبابات أشياء مثيرة للامتعاض والريبة بعد سنوات كانت مثيرة للفخر والشعور بالجلال، بددتوا علاقتنا بأوضح ما كنا نمتلكه وحرمتونا من أن نودع إخوتنا الجنود كما استقبلناهم فوق أعناقنا فى الميدان.

ارحل..

لقد هج السائحون، ابيّض شعر أبناء جيلى، وقادة البلد ينافسون تامر حسنى فى التصابى، ولن أقول لك إنك كنت سببا فى اعتزال البرادعى، فهذا أمر ربما لا يهم كثيرين، لكنك كنت سببا فى اعتزال أبو تريكة ويا له من عار.

ارحل..

كنا نصدقكم عندما قلتم «الله المستعان».. وأتى دورنا لكى تسمعوها منا ولكن كما ينبغى، نقولها لكم كما قالها سيدنا يعقوب لإخوة سيدنا يوسف عندما أتوا له بقميصه وعليه دم.. «والله المستعان على ما تصفون».